ابن كثير
381
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
ملائكته ، وحوله منابر من نور عليها مقاعد النبيين ، وحفت تلك المنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزبرجد عليها الشهداء والصديقون ، فجلسوا من ورائهم على تلك الكثب ، فيقول اللّه عز وجل : أنا ربكم قد صدقتكم وعدي فسلوني أعطكم ، فيقولون : ربنا نسألك رضوانك ، فيقول : قد رضيت عنكم ولكم علي ما تمنيتم ولدي مزيد . فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم تبارك وتعالى من الخير ، وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش وفيه خلق آدم وفيه تقوم الساعة . هكذا أورده الإمام الشافعي رحمه اللّه في كتاب الجمعة من الأم ، وله طرق عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه ، وقد أورد ابن جرير « 1 » هذا الحديث من رواية عثمان بن عمير عن أنس رضي اللّه عنه بأبسط من هذا ، وذكر هاهنا أثرا مطولا عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه موقوفا وفيه غرائب كثيرة . وقال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي اللّه عنه ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن الرجل في الجنة ليتكئ في الجنة سبعين سنة قبل أن يتحول ، ثم تأتيه امرأة فتضرب على منكبه فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة ، وإن أدنى لؤلؤة عليها تضيء ما بين المشرق والمغرب فتسلم عليه فيرد السلام فيسألها من أنت ؟ فتقول أنا من المزيد وإنه ليكون عليها سبعون حلة أدناها مثل النعمان من طوبى فينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك ، وإن عليها من التيجان إن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب » وهكذا رواه عبد اللّه بن وهب عن عمرو بن الحارث عن دراج به . [ سورة ق ( 50 ) : الآيات 36 إلى 40 ] وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ( 36 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ( 37 ) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ ( 38 ) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ( 39 ) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ ( 40 ) يقول تعالى : وكم أهلكنا قبل هؤلاء المكذبين مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً أي كانوا أكثر منهم وأشد قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها ولهذا قال تعالى هاهنا : فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : أثروا فيها . وقال مجاهد فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ ضربوا في الأرض وقال قتادة : فساروا في البلاد أي ساروا فيها يبتغون الأرزاق والمتاجر والمكاسب أكثر مما طفتم أنتم فيها ، ويقال لمن طوف في البلاد نقب فيها ، قال امرؤ
--> ( 1 ) تفسير الطبري 11 / 431 . ( 2 ) المسند 3 / 75 .